الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
76
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووجه الملازمة بين فساد السماوات والأرض وفساد الناس وبين كون الحق جاريا على أهواء المشركين في الحقائق هو أن أهواءهم شتى ؛ فمنها المتفق ، وأكثرهم مختلف ، وأكثر اتفاق أهوائهم حاصل بالشرك ، فلو كان الحق الثابت في الواقع موافقا لمزاعمهم لاختلت أصول انتظام العوالم . فإن مبدأ الحقائق هو حقيقة الخالق تعالى ، فلو كانت الحقيقة هي تعدد الآلهة لفسدت العوالم بحكم قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] وقد تقدم تفصيله في سورة الأنبياء . وذلك أصل الحق وقوامه وانتقاضه انتقاض لنظام السماوات والأرض كما تقدم . وقد قال اللّه تعالى في هذه السورة مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [ المؤمنون : 91 ] الآية ، فمن هواهم الباطل أن جعلوا من كمال اللّه أن يكون له ولد . ثم ننتقل بالبحث إلى بقية حقائق ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم من الحق لو فرض أن يكون الثابت نقيض ذلك لتسرب الفساد إلى السماوات والأرض ومن فيهن . فلو فرض عدم البعث للجزاء لكان الثابت أن لا جزاء على العمل ؛ فلم يعمل أحد خيرا إذ لا رجاء في ثواب . ولم يترك أحد شرا إلا إذ لا خوف من عقاب فيغمر الشر الخير والباطل الحق وذلك فساد لمن في السماوات والأرض قال تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] . وكذا لو كان الحق حسن الاعتداء والباطل قبح العدل لارتمى الناس بعضهم على بعض بالإهلاك جهد المستطاع فهلك الضرع والزرع قال تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] ، وهكذا الحال في أهوائهم المختلفة . ويزيد أمرها فسادا بأن يتبع الحق كل ساعة هوى مخالفا للهوى الذي اتبعه قبل ذلك فلا يستقر نظام ولا قانون . وهذا المعنى ناظر إلى معنى قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الدخان : 38 ، 39 ] . والظاهر أن ( من ) في قوله : وَمَنْ فِيهِنَّ صادقة على العقلاء من البشر والملائكة . ففساد البشر على فرض أن يكون جاريا على أهواء المشركين ظاهر مما قررناه . وأما فساد الملائكة فلأن من أهواء المشركين زعمهم أن الملائكة بنات اللّه فلو كان الواقع أن حقيقة الملائكة بنوة اللّه لأفضى ذلك إلى أنهم آلهة لأن المتولد من جنس يجب